الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
322
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
بقي هنا شيء ، وهو إنّه قد يقال : إنّ الوعد على أقسام ، تارة يخبر عن عزمه على الوفاء بشيء ، كأن يقول انّي عازم على أن أعطيك كذا وكذا . وأخرى أن ينشئ ما التزمه ، بأن يقول : لك عليّ كذا . وثالثة أن يخبر عن الوفاء بأمر مستقبل ، كقوله : أجيئك غدا « 1 » . هذا ولكن الوعد ليس شيئا منها ، بل هو إنشاء والتزام فعل لغيره على نفسه في المستقبل ، بأن يقول : أجيئك غدا لا بقصد الإخبار ، بل بقصد الإنشاء والالتزام ، ومن هنا يعلم أنّ أدلّة حرمة الكذب لا تشمله ( فتأمّل فانّه حقيق به ) . نعم ، هنا إطلاق آخر من هذا العنوان ، فيقال : وعد صادق أو كاذب ، إذا وفي بعهده أو لم يف به ، وهذا صدق وكذب في العمل لا دخل له بالقول الذي هو محلّ الكلام ، فتدبّر . المقام الخامس : الكلام في التورية « التورية » في اللغة بمعنى الستر والإخفاء ، يقال : ورى الشيء ، أي أخفاه عن غيره ، ولكن في مصطلح الفقهاء هو : ذكر لفظ وإرادة معناه الواقعي مع قصد القاء المخاطب في غيره ( وهو على قسمين : ما يكون في مقام الضرورة ، وأخرى في غيرها ) . وقد يعبّر عنه في كلمات فقهاء العامّة والخاصّة بالمعاريض ، جمع « المعراض » بمعنى ستر شيء عن شيء آخر ، وأمثلته كثيرة ، ولكن من ألطفها ما حكى عن بعض علماء الشيعة أنّه سئل عن الخليفة بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فأراد بيان الحقّ مع إخفاء ظاهره لبعض المسائل قال : « من بنته في بيته » . وقال الشاعر : خير الورى بعد النبي * من بنته في بيته من في دجى ليل العمى * نور الهدى في زيته ومثله ما هو المعروف من كلام عقيل : « أمرني معاوية بلعن علي عليه السّلام ألا فالعنوه ! » .
--> ( 1 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 390 .